عبر صفحات التاريخ، قلما نقرأ عن شخصيات أثارت جدلًا عميقًا ومناقشات لا تنتهي حول أفكارها وسياساتها، ومن بين هذه الشخصيات يتصدر الملك المصري القديم أخناتون، الذي ينسب إليه إحداث ثورة دينية غير مسبوقة في مصر القديمة، أثرت على توجهاتها السياسية والدينية.
تبنى أخناتون ما يصفه البعض بـ” ديانة التوحيد”، حين قام بإلغاء عبادة الآلهة المتعددة التي عرفتها مصر، ووجه كل مظاهر العبادة لإله واحد، هو آتون، ممثلاً في قرص الشمس، لكن، هل كانت خطوة أخناتون توحيدًا عقائديًا حقيقيًا؟ أم كانت محاولة سياسية لتحقيق سيطرة أوسع وتقويض نفوذ الكهنة؟
أخناتون.. صعود الملك وتحديات التغيير
ويقول عالم المصريات الدكتور حسين عبد البصير، قبل الحديث عن ديانته، لا بد من فهم السياق التاريخي لشخصية أخناتون، ولد أخناتون في الأسرة الثامنة عشرة خلال فترة كانت فيها مصر في أوج قوتها ونفوذها، وعرفَ عن الأسرة دعمها القوي للآلهة المتعددة، وخصوصًا آمون، إله طيبة القوي الأهم الأعلى، وارتبطت قوة كهنة آمون بسلطة هائلة، تحكموا من خلالها بالعديد من الجوانب السياسية والاجتماعية، وعند صعود أخناتون إلى الحكم، كان أمامه خياران إما المضي في مسار الآباء واستمرار عبادة الآلهة المتعددة، أو كسر ذلك النظام الراسخ وإعادة بناء عقيدة جديدة، تتجاوز قيود التقليد الديني وتحقق سيطرة أكبر للملك.
التحول الديني.. آتون معبود واحد أم معبود للسيطرة
في بداية حكمه، كان أخناتون يتبنى عبادة آلهة تقليدية، لكن مع تقدم عهده، بدأت بوادر التغيير تظهر في توجهاته الدينية، حيث أعلن عبادة آتون كإله أوحد، وفي الوقت الذي بدا فيه أن خطوة توحيد العبادة نحو آتون دعوة دينية، كانت وراءها عوامل سياسية بحتة، تهدف إلى تقليص نفوذ الكهنة وتعزيز سلطته، بتهميش كهنة آمون وسحب موارد المعابد المخصصة لهم، استطاع أخناتون توجيه ثروة مصر ومواردها لتعزيز عرشه.
مدينة أخت آتون.. رمز لمملكة سياسية دينية جديدة
وتابع الدكتور حسين عبد البصير، كان إنشاء العاصمة الجديدة “أخت آتون” (تل العمارنة حاليًا) رمزًا لنقل السلطة الدينية والسياسية بعيدًا عن مركز القوى التقليدي في طيبة، مثلت العاصمة الجديدة إخضاع الشعب لسلطة المعبود آتون وحده، وإبعادهم عن كهنة آمون الذين كان لهم التأثير الأقوى في طيبة، وهنا، كان كل شيء مرتبطًا بالملك والمعبود، حيث شيد أخناتون المعابد لآتون، مؤكدًا فكرة أن الملك وحده هو ممثل الإله، وأن الناس يخضعون لإرادته السياسية بغطاء ديني.
ويفند الدكتور حسين عبد البصير الآراء المختلفة حول ديانة أخناتون فهل هي توحيد أم “تقليص”؟، ويقول
الرأي الأول.. أخناتون مؤسس التوحيد الأول
يرى بعض المؤرخين أن أخناتون كان شخصية دينية ثورية، وتعتبر ديانته أول محاولة حقيقية للتوحيد في التاريخ، وفقًا لهذا الرأي، كان أخناتون يهدف إلى تغيير الفكر الديني السائد، حيث رأى أن وجود آلهة متعددة يعيق تطور الروحانية ويفكك ارتباط الإنسان بالكون، لذا، كان تكراره لاسم “آتون” في النقوش وصلواته الشهيرة كـ”نشيد آتون” دلالة على إيمانه العميق بإله واحد يعبر عن روح الكون وأسراره.
الرأي الثاني.. أخناتون كـ”موحد زائف”
في المقابل، يعتبر العديد من الباحثين أن توحيد أخناتون لم يكن توحيدًا حقيقيًا، وإنما “تقليصًا” للآلهة تحت اسم واحد، فبدلًا من أن تكون تلك خطوة نحو تأسيس دين توحيدي كعقيدة روحية شاملة، يرى المؤرخون أن تلك الخطوة كانت فقط وسيلة سياسية للقضاء على نفوذ الكهنة، الذين كانوا يشكلون تهديدًا مباشرًا لحكمه، لم يكن أخناتون يسعى لتحقيق توحيد عالمي أو تغيير قناعة شعبه بقدر ما كان يستهدف تركيز السلطة بيديه.
الرأي الثالث.. محاولة توحيد كونية بأهداف سياسية
تأثر بعض المؤرخين بآراء تربط محاولة أخناتون بمحاولة خلق فكر توحيدي شامل يتخطى حدود مصر ليصل إلى الشرق الأدنى القديم، تشير بعض النصوص التاريخية إلى محاولات أخناتون مد نفوذه عبر توحيد ديني ذي صبغة كونية، ومع ذلك، يظل الرأي الغالب هو أن هذه المحاولة فشلت؛ إذ أن التوحيد الذي دعا إليه لم يلق قبولًا شعبيًا، وكان بمثابة تغيير قسري فُرض على الناس، ما أدى إلى انهيار تلك التجربة بعد وفاته وعودة العبادة التقليدية.
مقارنة ديانة أخناتون مع التوحيد في الإسلام (على سبيل المثال)
عند تناول توحيد أخناتون، لا يمكننا تجاهل المقارنة مع فكرة التوحيد في الإسلام، التي تتميز بتوجه مختلف جذريًا عن تجربة أخناتون، فالإسلام، منذ بدايته، كان توحيدًا شاملًا، يعتمد على فكرة الإيمان بإله واحد يجمع كل المؤمنين دون واسطة أو سلطة مركزية. بخلاف تجربة أخناتون التي كانت تركز على السيطرة السياسية، أتى التوحيد في الإسلام كرسالة للعالم أجمع، تتضمن معاني العدالة، والحرية، والمساواة، وتقوم على أساس علاقة شخصية مباشرة بين الفرد والله، دون تدخل الكهنة أو وسيط ديني، وهي علاقة تناقض تمامًا احتكار أخناتون لعبادة آتون، حسبما يشير الدكتور حسين عبد البصير.
فشل تجربة التوحيد عند أخناتون.. العودة إلى التعدد
بعد وفاة أخناتون، جاءت مرحلة من الاضطرابات انتهت بعودة عبادة آمون وآلهة مصر التقليدية، فعلى الرغم من كل الجهود، لم تستطع ديانة آتون الصمود، وعادت مصر سريعًا إلى نظامها التقليدي من تعدد الآلهة. أدرك خلفاء أخناتون أن إرثه الديني لم يكن إلا تجربة سياسية فشلت في استمالة قلوب الشعب المصري، الذي لم يجد في آتون إلهًا يمثل حقيقة ارتباطه بالكون والآلهة التقليدية.
بعد استعراض الآراء المختلفة حول مسألة التوحيد عند أخناتون، يظهر لنا أن تجربة أخناتون لم تكن توحيدًا دينيًا بالمعنى الروحي، وإنما كانت خطوة سياسية بحتة تهدف إلى تعزيز سلطته وإخضاع كهنة آمون، وإن إخفاق أخناتون في تثبيت ديانته بعد وفاته، وعودة المصريين إلى عبادة آلهتهم التقليدية، يشير بوضوح إلى أن هذا التوحيد لم يكن حقيقيًا، ولم يستطع تلبية احتياجات الناس الروحية أو فهمهم التقليدي للدين.
إرث أخناتون بين الأسطورة والواقع
على الرغم من مرور آلاف السنين، يبقى أخناتون شخصية مثيرة للجدل والنقاشات، صحيح أن محاولته لفرض توحيد ديانة آتون تعتبر خطوة جريئة في تاريخ الفكر الديني، لكنها لم تكن سوى محاولة سياسية غير ناضجة لتغيير بنية النظام الديني لمصر القديمة، ولم يكن أخناتون “أول الموحدين” كما يصفه البعض أحيانًا، بل كان “سياسيًا محنكًا” حاول توظيف الدين لتحقيق أغراضه الخاصة. وتبقى قصته جزءًا من الإرث البشري الذي يعلمنا أن التغيير القسري، حتى في إطار الدين، لا يمكن أن ينجح ما لم يتوافق مع طبيعة الناس ومعتقداتهم.













